بحث حول محل الحق

بحث حول محل الحق
المـقـدمـة:

تنقسم الحقوق المرتبطة بالذمة المالية من حيث محلها، إلى حقوق ترد على أشياء وهي الحقوق العينية والذهنية، وحقوق ترد على أعمال وهي الحقوق الشخصية، ونكتفي بالنسبة لهذه الطائفة الأخيرة من الحقوق بالإشارة إلى أن الأعمال في مظهريها الإيجابي أي القيام بعمل، أو السلبي أي الامتناع عن عمل، تدرس تفصيلا ضمن مواضيع الالتزامات. ويأتي في مقدمة ذلك ما يشترطه القانون من وجوب توافر شروط رئيسية ثلاثة فيها هي: الإمكان، التعيين، والمشروعية.
أما بالنسبة للأشياء فبادئ الأمر يجب تمييزها عن الأموال، فهذه الأخيرة تطلق للتعبير عن الحقوق المرتبطة بالذمة المالية بغض النظر عن نوعها. أما الأشياء فهي محل هذه الحقوق، وقد ميز قانوننا المدني بين الأشياء والأموال، ومن فوائد هذا التمييز أن الأشياء ليست كلها صالحة في نظر القانون لأن تكون محلا للحقوق المرتبطة بالذمة المالية. فطبقا للمادة 682 قانون مدني لا تكون الأشياء كذلك إلا إذا كانت غير خارجة عن التعامل بطبيعتها، أو بحكم القانون أي الأشياء التي لا يستطيع أحد الاستئثار بحيازتها. وأما الخارجية عن التعامل بحكم القانون فهي التي يمنع القانون أن تكون محلا للحقوق المالية.
لذلك ارتأينا تقسيم موضوع بحثنا إلى مبحثين تناولنا في المبحث الأول محل الحق الشخصي سواء كان التزاما بقيام، أو التزاما بالامتناع عن عمل أو التزاما بإعطاء شيء. ثم تطرقنا في المبحث الثاني إلى محل الحق العيني، و نوضح الفرق بين الأموال والأشياء، ثم تقسيم الأشياء من حيث طبيعتها.














المبحث الأول: محل الحق الشخصي

إن الحق الشخصي كما هو معروف علاقة بين الدائن والمدين، بموجبه يأمر الدائن مدينه إما القيام بعمل أو الامتناع عن عمل أو إعطاء شيء. وعليه فإن محل الحق الشخصي هو إما الامتناع عن عمل وإما القيام بعمل وإما إعطاء شيء.

المطلب الأول: الالتزام بالقيام بعمل
الالتزام بالقيام بعمل هو محل الحق، يتضمن هذا الالتزام القيام بعمل إيجابي لمصلحة الدائن من طرف المدين، مثل قيام البائع بتسليم المبيع إلى المشتري وقيام هذا الأخير بدفع الثمن. وقيام المقاول بإقامة بناء لمصلحة الدائن أي رب العمل. وقيام الناقل بنقل شيء أو شخص إلى جهة معينة. والتزام المؤجر بتسليم العين المؤجرة إلى المستأجر والتزام المستأجر بدفع الأجرة. والتزام المقرض بأن يدفع مبلغ القرض إلى المقترض.
كلها أمثلة عن محل الحق الشخصي الذي موضوعه الالتزام بالقيام بعمل. وهذا العمل قد يكون التزاما بتحقيق نتيجة، وقد يكون التزاما ببذل عناية. أما الالتزام بتحقيق نتيجة فيكون كذلك إذا كان موضوعه محددا، فيكون المدين ملزما بتحقيق نتيجة معينة، (كالناقل مثلا) فهو ملتزم بتسليم البضاعة في المكان وفي الزمان المحددين. ويعتبر مخلا بالتزامه إذا لم يحقق هذه النتيجة، ولا يعفى من المسؤولية إلا إذا أثبت أن قوة قاهرة حالت دون تحقيق ذلك.
وأما الالتزام ببذل عناية فيكون المدين ملزما باستعمال أفضل الوسائل الممكنة، وباستعمال أكبر قدر من الحيطة والجهد. فلا يكون ضامنا لتحقيق نتيجة ولكن ببذل عناية، فالطبيب لا يكون ملزما بشفاء المريض، ولكن يلتزم بعمل ما في وسعه لتحقيق الغرض. ولا يكون المدين في الالتزام ببذل العناية مسؤولا عن عدم تحقيق النتيجة إلا إذا لم يكن قد بذل العناية المطلوبة لذلك.(1)

المطلب الثاني: الالتزام بالامتناع عن عمل
معظم العقود تتناول الالتزام بالامتناع عن عمل، كعقد البيع مثلا، فإنه يفرض التزام البائع بعدم التعرض للمشتري في المبيع. وعقد الإيجار يتضمن التزام المؤجر بعدم التعرض للمستأجر في العين المؤجرة. وبائع المحل التجاري يلتزم بعدم فتح محل تجاري يمارس فيه نفس التجارة في نفس المنطقة التي يقع فيها المحل الذي باعه

1- د. إسحاق إبراهيم منصور، نظريتا القانون والحق وتطبيقاتهما في القوانين الجزائرية، ص 247.

للمشتري، حتى لا يضر بالمشتري أي أن البائع ملزم بعدم المنافسة. وتعهد لاعب كرة القدم بعدم مزاولة هذه الرياضة لحساب ناد آخر.

المطلب الثالث: الالتزام بإعطاء شيء
قد يكون محل الحق التزاما بإعطاء شيء معين، مثل الحق في الجائزة للموعود بها والحق في الهبة والحق في التبرع. ونجد أن الحق في هذه الحالات يقابله واجب، أي الالتزام في جانب الطرف السالب للحق بأن يقوم بإعطاء الجائزة أو التبرع أو الهبة إلى صاحب الحق، فالالتزام بالإعطاء هو مضمون تلك الحقوق. أما الأشياء ذاتها التي تعطى إلى الأشخاص أصحاب الحقوق فعلا، أو التي تكون واجبة الإعطاء فهي محل تلك الحقوق.
ويجب أن تتوفر في الأعمال محل الحق الشخصي سواء كانت أعمال إيجابية أو سلبية الشروط التالية:
1- شرط الإمكان: ويقصد بالإمكان أن يكون المحل ليس مستحيلا، والاستحالة نوعان استحالة مطلقة واستحالة نسبية.
أما الاستحالة المطلقة أو الموضوعية فهي تلك الاستحالة المادية أو القانونية التي تجعل من أداء الالتزام ضربا من ضرب الخيال بالنسبة للكافة، كالتزام المحامي بالإستئناف رغم فوات الميعاد أو الالتزام ببيع شيئ تهدَّم أو هلَََكَ، وهذه الاستحالة تجعل التصرف باطلا.
أما الاستحالة النسبية أو الشخصية فهي تلك الاستحالة التي تجعل أداء الالتزام المتفق عليه ضربا من ضروب الخيال بالنسبة للمدين فقط ، مثل التزام الشخص بإعداد لوحة فنية رغم أنه ليس فنان، فالأمر مستحيل بالنسبة للمدين لجهله أصول فن الرسم.
وهذه الاستحالة لا تمنع قيام التزام صحيح مستوفيا لشرط الإمكان، مع التزام المدين بتعويض دائنه عن عدم تنفيذ الالتزام
2- شرط التعيين: يشترط في المحل أن يكون معينا أو قابلا للتعيين، فيجب أن يكون معينا بذاته تعيينا نافيا لجهالة، أو على الأقل يكون قابلا للتعيين، وإذا كان الشيء مثليا وجب أن يكون معينا بنوعه ومقداره.

3- شرط المشروعية: يشترط أن يكون المحل مشروعا أي غير مخالف للنظام العام والآداب العامة كالالتزام بارتكاب جريمة فهو باطل لمخالفته النظام العام وكذلك الالتزام بتوريد المخذرات فهو باطل أيضا.(1)



1- د. إسحاق إبراهيم منصور، المرجع السابق، ص 248.

المبحث الثاني: محل الحق العيني

تجب التفرقة بين الشيء والمال، فالمال هو كل حق مالي سواء كان شخصي أو عيني أوذهني، وإذا دخل الشيء دائرة التعامل أصبح مالا ويصبح محلا للعلاقات القانونية، وهناك أشياء لا يمكن اعتبارها مال كالأشياء غير القابلة للتعامل فيها بطبيعتها كالهواء،الضوء، ماء البحر، وأشياء أخرى تخرج عن دائرة التعامل بحكم القانون، حيث تنص المادة 682/2 مدني "الأشياء التي تخرج عن التعامل بطبيعتها هي التي لا يستطيع أحد أن يستأثر بحيازتها، وأما الخارجة بحكم القانون فهي التي لا يجيز القانون أن تكون محلا للحقوق المالية " ويمكن تقسيمها إلى:
- أشياء من حيث طبيعتها( عقارات، منقولات ).
-أشياء من حيث قابلية التعامل فيها.
-أشياء من حيث طريقة استعمالها.

المطلب الأول: تقسيم الأشياء من حيث طبيعتها
تقسم الأشياء إلى أشياء منقولة وأخرى ثابتة (عقارات)، حيث تنص المادة 683 مدني :" كل شيء مستقر يحيزه وثابت فيه ولا يمكن نقله منه دون تلف فهو عقار، وكل ما عدا ذلك من شيء فهو منقول".

الفرع الأول: العقارات
وتنقسم العقارات إلى عقارات بطبيعتها وعقارات بالتخصيص
-أما العقارات بطبيعتها فهي كل شيء مستقر يحيزه وثابت فيه لا يمكن نقله دون تلف مثل: الأراضي، المباني.
-أما عقارات التخصيص فهي منقولات في الأصل، لكنها خصصت لخدمة عقار أو للاستغلال كالمواشي والآلات من المنقولات التي تخصص لخدمة عقار.
*شروط اعتبار المنقول عقار بالتخصيص:
1- يجب أن يكون العقار والمنقول مملوكين لشخص واحد ولا تعتبر الآلات الزاعية المملوكة للمستأجر عقار بالتخصيص، ولقد اشترطت المادة 683/2 مدني على مايلي:
" غير أن المنقول الذي يضعه صاحبه في عقار يملكه رصدا على خدمة هذا العقار أو استغلاله يعتبر عقارا بالتخصيص".
2- يجب أن يكون المنقول مخصصا لخدمة العقار واستغلاله، ولا يشترط أن يكون التخصيص بصفة دائمة إذ يصح أن يكون مؤقتا لفترة معينة.(1)


1- د. محمدي فريدة زواوي،المدخل إلى العلوم القانونية، نظرية الحق، المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، الجزائر1998، ص 125.
ويهدف المشرع من اعتبار المنقول عقارا بالتخصيص، وهذا من أجل استغلال العقارات استغلالا جيدا، فلا يجوز الحجز على هذه المنقولات بصفة مستقلة عن العقار، ويلحق العقار بالتخصيص، بالعقار الطبيعي من حيث التصرف فيه ورهنه.
واعتبار المنقول عقار بالتخصيص حكم لا يتعلق بالنظام العام، إذ هو مقرر لمصلحة مالك العقار، ويجوز له التنازل عن الحماية التي قررها له القانون، كما يجوز له أن يترك لدائنيه إجراء الحجز علة المنقولات منفصلة عن العقارات التي كانت ملحقة بها، كما يستطيع المالك بإرادته إزالة صفة العقار بالتخصيص عن المنقول وذلك بإنهاء هذا التخصيص.

الفرع الثاني: المنقولات
المنقول هو كل ما يمكن نقله من مكان إلى آخر دون تلف، وقد تكون المنقولات مادية أو معنوية كالإسم التجاري، وأفكار المؤلفين، ولكن هناك منقولات بحسب المآل وهي عقارا ت في الأصل متصلة بالأرض، ولكن القانون ينظر إليها باعتبار ما ستؤول إليه، لأنها ستصبح منقول في وقت قريب مثل المباني المقرر هدمها، والأشجار التي يراد قطعها، ويجب أن يفصل هذا العقار عن أصله لكي يسري عليه قانون المنقولات.

الفرع الثالث: أهمية تقسيم الأشياء إلى عقارات ومنقولات
تكمن أهمية هذا التقسيم في:
1. إن بعض الحقوق العينية لا ترد إلا على العقارات، كالرهن الرسمي، وحق الاختصاص، وحق الارتفاق وحق السكن.
2. تنتقل ملكية المنقول المعين بذاته بالعقد وملكية المعين بنوعه بالإفراز، أما ملكية العقار فلا تنتقل إلا بالشهر في المحافظة العقارية.
3. كل التصرفات على العقار يجب أن تحرر في شكل رسمي أي يجب تحريرها من طرف ضابط عمومي مختص، أي أنها عقود شكلية.
أما التصرفات الواردة على المنقولات فهي في الأصل تصرفات رضائية.
4. الشفعة ترد على عقار دون منقول، وهي رخصة تجيز للشريك أو المستأجر من شخص معنوي الحلول محل مشتري العقار.
5. دعاوى الحيازة خاصة بالعقارات دون المنقولات.
6. قاعدة الحيازة في المنقول سند الملكية، قاعدة خاصة باكتساب المنقولات، أما العقارات فتكتسب بالتقادم القصير أو الطويل.(1)
7. يكون النظر في الدعاوى العقارية من اختصاص المحكمة التي يقع في دائرة اختصاصها العقار، بينما في المنقول يكون الاختصاص للمحكمة الواقع في دائرتها

1- د. محمدي فريدة زواوي، المرجع السابق، ص 126.

موطن المدعى عليه، لأنه من الصعب تحديد موقع ثابت للمنقول.
8. الطعن بالغبن يكون بصفة خاصة في التصرفات الواردة على العقارات.
9. وبصفة عامة، فإن المشرع يقيد ويحمي التصرفات الواردة على العقارات أكثر من تلك الواردة على المنقولات.
ويلاحظ أن تقسيم الأشياء إلى عقارات ومنقولات ليس خاصا بها فقط إذ أن الحقوق كذلك تقسم إلى عقارية وأموال منقولة وفي هذا الصدد تنص المادة 684 مدني على ما يلي: "يعتبر مالا عقاريا كل حق عيني يقع على عقار، بما في ذلك حق الملكية..."
وعلى هذا تعتبر أموالا عقارية كل الحقوق العينية التي تقع على عقلر سواء كانت حقوقا أصلية أو جزئية أو تبعية وما عداها تعتبر أموالا منقولة، وتشمل جميع الحقوق العينية الواردة على المنقول، كما تعتبر الحقوق الأدبية والشخصية أموالا منقولة، لا لتوافر خصائص المنقول فيها ولكن لأن المشرع عرف الأموال العقارية، واعتبر ما عداها منقولا، لذلك وجب اعتبار الأشياء غير المادية منقولا مثل المنقولات المعنوية، والأفكار، والاختراعات، والعلامات التجارية.
إن إعطاء وصف المنقول للسندات لحاملها وللحقوق الشخصية وللحقوق الأدبية، وللحقوق الأدبية الواردة على المحلات التجارية، يؤدي إلى تشكيل الحقوق العينية المنقولة ثروة حقيقية لا تقل أهمية عن العقارات، مما يحتم إعادة النظر في التصنيف وإعطاء المنقول حماية مثل حماية العقار.

المطلب الثاني: تقسيم الأشياء من حيث قابلية التعامل فيها
تنص المادة 682 مدني على ما يلي: "كل شيء غير خارج عن التعامل بطبيعته أو بحكم القانون يصلح أن يكون محلا للحقوق المالية. والأشياء التي تخرج عن التعامل بطبيعتها هي التي لا يستطيع أحد أن يستأثر بحيازتها، وأما الخارجة بحكم القانون فهي التي لا يجيز القانون أن تكون محلا للحقوق المالية".
تكون الأشياء غير قابلة للتعامل فيها بحكم طبيعتها، كالأشياء التي لا يستطيع أحد أن يستأثر بحيازتها كالهواء والشمس، وإذا كانت هذه الأشياء لا تصلح للاستئثار بها في مجموعها، فإن من المتصور والممكن الاستيلاء على مقادير محدودة منها، وتصلح أن تكون محلا للحق في حدود هذا الاستئثار مثال ذلك الاستيلاء على كمية من الهواء المضغوط لأغراض صناعية كماء المطر لتحويله إلى ماء صالح للشرب، وماء البحر لتحويله إلى ملح.(1)
أما الأشياء التي تخرج عن دائرة التعامل بحكم القانون فقد يرجع سبب إخراجها من دائرة التعامل إلى تخصيصها للمنفعة العامة، والتعامل فيها يتنافى مع هذا التخصيص، كالأشياء العامة، فلا يجوز التصرف فيها أو الحجز عليها أو تملكها

1- د. محمدي فريدة زواوي، المرجع السابق، ص 128.
بالتقادم، وهذا ما نصت عليه المادة 689 مدني جزائري بقولها: "لا يجوز التصرف في أموال الدولة أو حجزها، أو تملكها بالتقادم...".
ويشترط أن يكون الشيء مملوكا للدولة أو لأحد الأشخاص الإعتبارية العامة، وأن يكون قد خصص للمنفعة العامة وهذا ما نصت عليه المادة 688 مدني: "تعتبر أموالا للدولة العقارات والمنقولات التي تخصص بالفعل أو بمقتضى نص قانوني لمصلحة عامة أو لإدارة، أو لمؤسسة عمومية أو لهيئة لها طابع إداري، أو لمؤسسة اشتراكية، أو لوحدة مسيرة ذاتيا أو لتعاونية داخلة في نطاق الثورة الزراعية".
كما قد يكون الخروج عن دائرة التعامل راجعا لاعتبارات تتعلق بالنظام العام، ولقد نصت المادة 96 مدني على ما يلي: "إذا كان محل الالتزام مخالفا للنظام العام والآداب أو الأداب العامة كان العقد باطلا". فالتعامل في المواد المخدرة غير جائز لمخالفته للنظام العام.

المطلب الثالث: تقسيم الأشياء من حيث طريقة استعمالها
تقسم الأشياء بانظر إلى طريقة استعمالها إلى:
1. أشياء قابلة للاستهلاك وأشياء غير قابلة للاستهلاك.
2. الأشياء المثلية والشياء القيمية.
3. الثمار والمنتجات.

الفرع الأول: الأشياء القابلة للاستهلاك والأشياء غير القابلة للاستهلاك
تنص المادة 685 مدني على ما يلي: "الأشياء القابلة للاستهلاك هي التي ينحصر استعمالها بحسب ما أعدت له في استهلاكها أو إنفاقها. ويعتبر قابلا للاستهلاك كل شيء يكون جزءا من المحل التجاري وهوة معد للبيع".
فالأشياء القابلة للاستهلاك هي التي ينحصر استعمالها بحسب ما أعدت له في استهلاكها وإنفاقها. واستهلاكها قد يكون ماديا أو قانونيا.
ويؤدي الاستهلاك المادي، في حالة الانتفاع بالشيء إلى هلاك أو نفاذ مادته، كمن يأكل شيئا أو يشرب شربا. أما الاستهلاك القانوني فهو يتحقق بخروج الشيء من يد صاحبه دون أن يؤدي ذلك إلى هلاكه ماديا كإنفاق النقود مثلا.(1)
أما الأشياء غير القابلة للاستهلاك فهي التي يتكرر استعمالها دون أن تستهلك وتنفذ، مثالها المنازل، الكتب. وتقسيم الأشياء إلى أشياء تستهلك وأشياء لا تستهلك يرحع إلى طبيغة الأشياء ذاتها، فمنها ما يتحمل تكرار الاستعمال، ومنها ما لا يتحمل ذلك، غير أن إرادة الإنسان تستطيع التعديل من هذا التقسيم بجعل الشيء القابل للاستعمال المتكرر شيئا قابلا للاستهلاك وذلك عن طريق تخصيصه، فكثيرا من السلع تقبل

1- د. محمدي فريدة زواوي، المرجع السابق، ص 129.
الاستعمال المتكرر إلا أن عرضها للبيع يحولها إلى أشياء غير قابلة للاستعمال المتكرر، إذ تستهلك هذه الأشياء استهلاكا قانونيا.
ومن جهة أخرى فالفواكه والنقود أشياء قابلة للاستهلاك بطبيعتها لكنها تصبح غير قابلة للاستهلاك إذا أعدت للعرض في معرض.
وتكمن أهمية هذا التقسيم في أن بعض العقود لا ترد إلا على الأشياء القابلة للاستهلاك، وبعض العقود الأخرى لا ترد إلا على الأشياء غير القابلة للاستهلاك.
1. هناك عقود لا يمكن أن يكون محلها إلا أشياء غير قابلة للاستهلاك، مثل الانتفاع بشيء لمدة معينة، وكذلك الإيجار والعارية، فالمستأجر والمستعير يستعمل كل منهما شيئا مملوكا للغير، على أن يرده لصاحبه بعد مدة معينة، وكذلك حق الانتفاع، إذ المنتفع ينتفع بالشيء مدة معينة على أن يرده لمالكه، إلا إذا كانت الأموال المنتفع بها قابلة للاستهلاك فيتحول حق حق الانتفاع إلى شبه حق الانتفاع.
2. كما أن هناك بعض عقود لا يتصور أن ترد إلا على الأشياء القابلة للاستهلاك، ففي عارية الاستهلاك يأخذ الشخص من الآخر شيئا لينفع به عن طريق استهلاكه، فمن يستعير كمية من السكر، فهو لا يلتزم برد عين الشيء الذي استعاره وإلا انتفت الفائدة من هذه الإعارة، ففي عقد القرض الاستهلاكي، يستعمل المقترض التقود المقترضة على ان يرد نفس المقدار، فهو يرد إذن نفس المقدار وليس النقود التي اقترضها ذاتها.

الفرع الثاني: الأشياء المثلية والأشياء القيمية
تنص المادة 686 مدني على ما يلي: "الأشياء المثلية هي التي يقوم بعضها مقام بعض عند الوفاء والتي تقدر عادة في التعامل بين الناس بالعدد، أو المقياس، أو الكيل، أو الوزن".
فالأشياء المثلية أو المعنية بالنوع هي التي تقوم مقام بعضها البعض، ويقال أن الأشياء المثلية هي عادة تلك التي لا يمكن أن تعين إلا بتعيين نوعها فيقال مثلا قنطار من اقمح متوسط الجودة.
أما الأشياء المعينة بالذات أو القيمية، فهي التي لا يقوم بعضها مقام البعض، إذ لا يمكن أن تتحد في الصفات كالسيارات مثلا والعقارات.
ولا يتوقف اعتبار الأشياء من المثليات أو القيميات على طبيعتها فقط، وإنما لإرادة الأطراف دورا تلعبه في ذلك أيضا فبيع شيء مثلي بيعا جزافا يعتبر بيعا لشيء معين بالذات، كما ان النقود رغم أنها من المثليات فإنها قد تعتبر من الأشياء القيمية في حالة استعارتها لعرضها في معرض مدة معينة ترد بعدها.(1)


1- د. محمدي فريدة زواوي، المرجع السابق، ص 131.
كما أن صانع السيارات إذا باع سيارة من الطراز المتوفر في السنة الجارية، فيكون ملزما بتقديم أية سيارة من هذا الطراز، ويعتبر بيع الشيء مثلي رغم أن السيارة في الأصل تعتبر شيئا قيميا.
وتجدر الإشارة إلى أنه رغم تدخل إرادة الطراف في تحديد طبيعة بعض الأشياء في حالات معينة إلا أن هناك أشياء تعتبر دائما من المثليات، وهي الأشياء التي تباع بالكيل، أو العدد، أو الوزن. فمن يتعاقد مثلا على شراء ألف طن من القمح الممتاز لا يمكنه الرفض إذا قدمت له هذه الكمية من النوع المتفق عليه بحجة أنه ليس هذا هو المبيع المتفق عليه.
وتتجلى أهمية هذا التقسيم في:
1. من حيث انتقال الملكية: فإذا كان الشيء مثليا أي معينا بالنوع فإن ملكيته لا تنتقل إلا بعد الإفراز، أما إذا كان معينا بالذات فإن ملكيته تنتقل بمجرد انعقاد العقد، دون حاجة لأي إجراء.
2. من حيث استحالة التنفيذ: إذا كان الشيء معينا بالذات وهلك بسبب أجنبي لا يد للمدين فيه، برئت ذمته من الالتزام.
أما إذا كان المبيع معينا بالنوع وهلك، فلا يتحلل البائع من التزامه، لأن المثليات لا تهلك، فهي تقوم مقام بعضها فيجب على البائع تنفيذ التزامه بشيء من نفس الشيء المبيع الهالك.
3. من حيث الوفاء: إذا كان محل الالتزام شيئا قيميا، فالوفاء بالالتزام يتم بإعطاء نفس الشيء المتفق عليه في العقد ولا يجبر الدائن على قبول غيره.
أما إذا كام محل الالتزام مثليا، فإن المدين يبرأ من التزامه إذا هو أدى أو قدم شيئا من نفس النوع وبالقدر وبالصفة المتفق عليها في العقد.
4. من حيث إجراء المقاصة: فلا تتحقق المقاصة القانونية بين التزامين إلا إذا كان محلهما شيئا مثليا متحدا في النوع والجودة، فمثلا إذا كان شخصان الأول مدين للثاني بتسليم سيارة معينة والثاني مدين للأول بتسليم عقار بنفس قيمة السيارة، فإن المقاصة لا تتم بين الالتزامين.
ويلاحظ أنه غالبا ما تعتبر الأشياء المثلية قابلة للاستهلاك، أما الأشياء المعينة بالذات فتعتبر غير قابلة للاستهلاك، إلا أنه قد يحدث أن يكون الشيء معينا بنوعه ولكنه يكون غير قابل للاستهلاك، كالأدوات الصناعية مثلا والآلات وجميع الأشياء المصنوعة بالسلسلة « Les Choses fabriquées en série ».
كما أنه قد يحدث أن يكون الشيء قابلا للاستهلاك رغم أنه معين بذاته، كالثمار التي لا يوجد مثلها « Exceptionnel » مثال ذلك مشروب أصبح نادرا وفريدا من نوعه.(1)

1- د. محمدي فريدة زواوي، المرجع السابق، ص 133.

ويلاحظ أن هذه مسألة راجعة إلى تدخل إرادة الإنسان في تحويل الأشياء.

الفرع الثالث: الأشياء المثمرة والأشياء غير المثمرة
تكون الشياء مثمرة إذا كانت تنتج عنها ثمار، والثمار هي كل ما يستخرج من الشيء بصفة دورية ومتجددة، ولا يؤدي فصلها عن الشيء إلى الإنقاص من قيمته.
والثمار إما أن تكون طبيعة تتولد عن الشيء تلقائيا دون تدخل الإنسان، ويكون ذلك بفضل الطبيعة، كالأعشاب، وإما أن تكون صناعية أو مستحدثة بتدخل الإنسان لاستخراجها من الشيء كالمحصولات الزراعية.
كما قد تكون الثمار مدنية وهي المبالغ النقدية المستحقة مقابل الاستغلال أو الانتفاع بالشيء مثل الأجر وفوائد رؤوس الأموال.
وإلى جانب الثمار توجد المنتجات وهي كل ما يستخرج من الشيء بصفة دورية وغير متجددة، ويؤدي فصلها إلى الإنقاص من أصل الشيء، كالمعادن، والأشجار، فاستخراج المعادن أو قطع الشجار ينقص من قيمة الأرض، غذن فالأشياء غير المثمرة هي تلك التي لا تتولد عنها ثمار.
ونبرز أهمية التفرقة فيما يلي:
1. إذا تقرر حق انتفاع على العين، فإن الثمار تكون من حق المنتفع، أما المنتجات فهي ملك للمالك فقط، لأنها تعتبر جزءا من العين ويؤدي انفصالها إلى الانتقاص من أصل الشيء، لذا فهي تعود إلى المالك لا إلى المنتفع.
2. يكتسب الحائز حسن النية الثمار دون المنتجات، ويرجع سبب كسب الحائز حسن النية للثمار لاعتبارات عادلة، وهي أن الحائز حسن النية يعتقد أن الثمار ملكا له وهو غالبا ما يستهلكها يوميا، أما سبب احتفاظه بما قبضه من الثمار التي لم يستهلكها بعد، فيرجع إلى أن الحائز حسن النية أولى بالرعاية من المالك المهمل، لأن هذا الحائز بذل جهدا في سبيل الحصول على هذه الثمار بينما المالك وقف موقفا سلبيا، ويعتبر مقصرا لأنه ترك العين في حيازة الغير ( الحائز ) مدة معينة من الزمن، هذا إلى جانب أن الثمار دورية ومتجددة، ولا يضر المالك فقدها في الفترة التي كانت فيها العين في يد حائز حسن النية.
وتعتبر إدارة أموال القاصر في ثمار الشيء عملا من أعمال الإدارة، بينما يعتبر التصرف في المنتجات عملا من أعمال التصرف أي تصرفا قانونيا، لأن التصرف فيها يؤدي إلى الإنقاص من قيمة الشيء.(1)




1- د. محمدي فريدة زواوي، المرجع السابق، ص 134.

الـخـاتـمـة:

في الأخير نستطيع القول أن محل الحق يختلف باختلاف أنواع الحق، فهناك حق شخصي يؤدي إلى القيام بعمل، أو الامتناع عن عمل، أو الالتزام بإعطاء شيء. وهناك حق عيني يتكون من مجموعة من الأشياء تختلف باختلاف طبيعتها، المتمثلة في العقارات والمنقولات، أو من حيث طريقة استعمالها، أو من حيث قابلية التعامل فيها.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

لجديد دروسنا :